ابن أبي أصيبعة
19
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
( يحلف ) « 1 » عليه ، أو شهوة ( تتجدد ) « 2 » له ، فمتى أكله وقد أمسك " عن أكله " « 3 » المدة الطويلة ، لم تقبله طبيعته ونفرت منه . وأحدث ذلك في بدن آكله مرضا كثيرا ، وربما أتى على نفسه ، والأصلح للأبدان تمرينها على آكل الأغذية الرديئة حتى يألفها ، ويأكل منها في كل يوم شيئا واحدا ، ولا يجمع أكل شيئين رديئين في يوم واحد . وإذا أكل من بعض هذه الأشياء في ( يوم ، لم يعاود أكله في غد ذلك اليوم فإن الأبدان إذا مرنت على أكل هذه الأشياء ) « 4 » ثم اضطر الإنسان إلى الإكثار من أكل بعضها ، لم تنفر الطبيعة منه ، فقد رأينا الأدوية المسهلة إذا أدمنها مدمن وألفها بدنه قل فعلها ، ولم تسهل ، وهؤلاء أهل الأندلس ، إذا أراد « 5 » أحدهم إسهال طبيعته ( أخذ ) « 6 » السقمونيا « 7 » وزن ثلاثة دراهم حتى يلين طبيعته ، مقدار ما يلينها نصف درهم في بلدنا . وإذا كانت الأبدان تألف الأدوية حتى تمنعها من فعلها ، فهي للأغذية ، وإن كانت رديئة أشد ألفا . قال يوسف : فحدثت بهذا الحديث " بختيشوع بن جبريل " فسألني إملاءه عليه ، وكتبه عنى بخطه . قال يوسف بن إبراهيم : حدثني " سليمان " الخادم الخراساني ، مولى " الرشيد " أنه كان واقفا على رأس " الرشيد " بالحيرة « 8 » يوما وهو يتغذى ، إذ دخل عليه " عون العبادي الجوهري " ، وهو حامل صحفة فيها سمكة منعوتة السمن ، فوضعها بين يديه ومعها محشى قد اتخذه لها . فحاول " الرشيد " أكل شئ منها ، فمنعه من ذلك " جبريل " ، وغمز صاحب المائدة بعزلها عنه ، وفطن « 9 » " الرشيد " ، فلما رفعت المائدة غسل " الرشيد " يده ، خرج " جبريل " عن حضرته . قال " سليمان " : فأمرني " الرشيد " باتباعه وإخفاء شخصي عنه ، وأن أتفقد ما يعمله وأرجع إليه بخبره ، ففعلت ما أمرني به ، وأحسب أن أمرى ( لم ) « 10 » يستتر عن " جبريل " ، لما تبينت من تحرزه . فصار إلى موضع من دار " عون " ودعا بالطعام فأحضر له وفيه السمكة ، ودعا بثلاثة أقداح من فضة ، " فجعل في واحد " « 11 » قطعة منها وصب عليه « 12 » خمرا من خمر ( طيرناباذ ) « 13 » بغير ماء ، وقال : هذا أكل " جبريل " .
--> ( 1 ) في أ : " تخلف " . ( 2 ) في أ : " تتخذ " . ( 3 ) في ج ، د : " على أكله منه " ، طبعة مولر " عن أكله منه " . ( 4 ) ما بين الخاصرتين ساقط في أ ، ج ، د ، والإضافة من ك . ( 5 ) في ك : " أرادوا " . ( 6 ) في أ : " أدمن " . ( 7 ) السقمونيا : نبات له أغصان كبيرة تخرج من أصل واحد ، وله زهر أبيض مستدير أجوف ، وأصل طويل غليظ ثقيل الرائحة ملىء بالرطوبة ، وتجمع هذه الرطوبة منه ، وتستعمل في الحميات للأطفال ، إذا احتاجوا إلى إخراج الخلط الصفراوي ، ويوقى أدوية البرص والبهق والكلف ، ومع ذلك فهو ضار للمعدة . انظر في ترجمته : الجامع لمفردات الأدوية والأغذية لابن البيطار : 2 / 23 . ( 8 ) الحيرة : مدينة كانت على بعد ثلاثة أميال من الكوفة ، كانت مسكن ملوك العرب في الجاهلية من زمن نضر ثم لخم النعمان ، وكان أول من نزل بها " مالك بن زهير بن عمرو بن فهم بن تيم الله بن أسد بن الحاف بن قضاعة " وجعلها حيرا وأقطعها قومه ، وينسب إليها " كعب بن عدي الحيري " ، ومنهم : " أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري ، وغيرهما . انظر : معجم البلدان لياقوت الحموي : 2 / 376 . ( 9 ) في ك : " ووطن " . ( 10 ) ساقط في أ ، والإضافة من ك ، ج ، د . ( 11 ) في ك : " في كل واحد " ، والمثبت أصح حسب السياق بعده . ( 12 ) في ج ، د : " عليها " . ( 13 ) في أ : " طيرنابادا " ، وطيزناباد : موضع بين الكوفة والقادسية على طريق الحجاج بالقرب من القادسية ، وهي مدينة عامرة بالفاكهة والشجر والكروم والحانات ، ولهذا فهي كانت من أكثر المواضع للهو والمتع والبطالة ، وهي الآن خراب . انظر في ترجمته : معجم البلدان لياقوت الحموي : 4 / 62 .